أبو حامد الغزالي
93
تهافت الفلاسفة
تساوى الأحياز والأوضاع والأماكن والجهات ، بالنسبة إلى قبول الحركة وكل مصلحة تتعلق بها ، فإن ساغت لهم دعوى الاختلاف مع هذا التشابه ، كان لخصومهم دعوى الاختلاف في الأحوال والهيئات أيضا . الاعتراض الثاني : على أصل دليلهم أن يقال : استبعدتم حدوث حادث من قديم ، ولا بد لكم من الاعتراف به ، فإن في العالم حوادث ولها أسباب ، فإن استندت الحوادث إلى الحوادث إلى غير نهاية ، فهو محال ، وليس ذلك معتقد عاقل ، ولو كان ذلك ممكنا لاستغنيتم عن الاعتراف بالصانع وإثبات واجب وجود هو مستند الممكنات ، وإذا كانت الحوادث لها طرف ينتهى إليه سلسلتها ، فيكون ذلك الطرف هو القديم ، فلا بد إذن على أصلكم من تجويز صدور حادث من قديم . فإن قيل : نحن لا نبعد صدور حادث عن قديم أىّ حادث كان ، بل نبعد صدور حادث هو أول الحوادث من القديم ، إذ لا يفارق حال الحدوث ما قبله في ترجح جهة الوجود ، لا من حيث حضور وقت ولا آلة ولا شرط ولا طبيعة ولا غرض ولا سبب من الأسباب ، فأما إذا لم يكن هو الحادث الأول ، جاز أن يصدر منه عند حدوث شئ آخر من استعداد المحل القابل وحضور الوقت الموافق أو ما يجرى هذا المجرى . قلنا : فالسؤال في حصول الاستعداد وحضور الوقت وكل ما يتجدد ، قائم ، فإما أن يتسلسل إلى غير نهاية أو ينتهى إلى قديم يكون أول حادث منه . فإن قيل : المواد القابلة للصور والأعراض والكيفيات ليس شئ منها حادثا . والكيفيات الحادثة هي حركة الأفلاك ، أعنى الحركة الدورية وما يتجدد من الأوصاف الإضافية لها ، من التثليث والتربيع والتسديس ، وهي نسبة بعض أجزاء الفلك والكواكب إلى بعض ، وبعضها نسبة إلى الأرض ، كما يحصل من الطلوع والشروق والزوال عن منتهى الارتفاع ، والبعد عن الأرض بكون الكوكب في الأوج ، والقرب بكونه في الحضيض ، والميل عن بعض الأقطار بكونه في الشمال والجنوب ؛ وهذه الإضافة لازمة للحركة الدورية بالضرورة ، فموجبها